كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إن التلطف في دعوة الناس إلى الله، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها.. إن الحقيقة يجب إن تبلغ إليهم كاملة. أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة..
ولقد ينظر بعضنا اليوم- مثلًا- فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب القوة المادية. وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض، وهم أصحاب كلمة مسموعة، في الشئون الدولية. وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية أصحاب أعداد ضخمة وأصحاب قوة مدمرة. وينظر فيرى الذين يقولون: إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنزل إليهم.. فيتعاظمه الأمر، ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء! وأن يبين لهم «الدين» الحق!
وليس هذا هو الطريق.. إن الجاهلية هي الجاهلية- ولو عمت أهل الأرض جميعًا- وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق، وواجب صاحب الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلاَّل؛ ولا ضخامة الباطل.. فالباطل ركام.. وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة: أنهم ليسوا على شيء.. كذلك ينبغي أن تستأنف.. وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وناداه:
{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين. قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}.
وينتهي هذا المقطع بالبيان الأخير عن «الدين» الذي يقبله الله من الناس، أيًا كان وصفهم وعنوانهم وما كانوا عليه قبل بعثة النبي الأخير؛ والذي يلتقي عليه المتفرقون في الملل والنحل فيما غبر من التاريخ:
{إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
والذين آمنوا هم المسلمون. والذين هادوا هم اليهود. والصابئون هم في الغالب تلك الفئة التي تركت عبادة الأوثان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وعبدت الله وحده على غير نحلة معينة، ومنهم من العرب أفراد معدودون. والنصارى هم أتباع المسيح- عليه السلام.
والآية تقرر أنه أيًا كانت النحلة، فإن من آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحًا- ومفهوم ضمنا في هذا الموضع، وتصريحًا في مواضع أخرى أنهم فعلوا ذلك على حسب ما جاء به الرسول الأخير- فقد نجوا: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. ولا عليهم مما كانوا فيه قبل ذلك؛ ولا مما يحملون من أسماء وعنوانات.. فالمهم هو العنوان الأخير..
وهذا الذي نقرر أنه مفهوم من الآية ضمنًا يعتبر من «المعلوم من الدين بالضرورة». فمن بديهيات هذه العقيدة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، وأنه أرسل إلى البشر كافة، وأن الناس جميعًا- على اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم واعتقاداتهم وأجناسهم وأوطانهم- مدعوون إلى الإيمان بما جاء به، وفق ما جاء به؛ في عمومه وفي تفصيلاته. وأن من لا يؤمن به رسولًا، ولا يؤمن بما جاء به إجمالًا وتفصيلًا، فهو ضال لا يقبل الله منه ما كان عليه من دين قبل هذا الدين، ولا يدخل في مضمون قوله تعالى: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
وهذه هي الحقيقة الأساسية «المعلومة من الدين بالضرورة» التي لا يجوز للمسلم الحق أن يجمجم فيها أو يتمتم؛ أمام ضخامة الواقع الجاهلي الذي تعيش فيه البشرية. والتي لا يجوز للمسلم أن يغفلها في إقامة علاقاته بأهل الأرض قاطبة؛ من أصحاب الملل والنحل. فلا يحمله ضغط الواقع الجاهلي على اعتبار أحد من أصحاب هذه الملل والنحل على «دين» يرضاه الله؛ ويصلح أن يتناصر معه فيه ويتولاه!
إنما الله هو الولي {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} مهما تكن ظواهر الأمور.. ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا- على أساس هذا الدين الذي هو وحده الدين- فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. لا خوف عليهم في الدنيا ولا في الآخرة.. لا خوف عليهم من قوى الباطل والجاهلية المتراكمة. ولا خوف عليهم من أنفسهم المؤمنة العاملة الصالحة.. ولا هم يحزنون..
بعد ذلك يأخذ السياق في عرض طرف من تاريخ بني إسرائيل- اليهود- يتجلى فيه كيف أنهم ليسوا على شيء؛ ويتبين معه ضرورة تبليغهم الدعوة، ومخاطبتهم بالإسلام، ليأووا منه إلى دين الله.
ثم لتتبين حقيقتهم التي لم تتغير؛ وتنكشف للمسلمين هذه الحقيقة، فتسقط في أعينهم قيمة يهود، وتنفر قلوبهم من الولاء لهم والتناصر معهم، وهم على مثل هذه الحال في أمر الحق والدين:
{لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلًا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. وحسبوا ألا تكون فتنة. فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون}.
إنه تاريخ قديم! فليس موقفهم من رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بالأول ولا بالأخير! إنهم مردوا على العصيان والإعراض؛ ومردوا على النكول عن ميثاق الله؛ ومردوا على اتخاذ هواهم إلههم لا دين الله، ولا هدى الرسل؛ ومردوا على الإثم والعدوان على دعاة الحق وحملة دعوة الله:
{لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلًا. كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون}.
وسجل بني إسرائيل مع أنبيائهم حافل بالتكذيب والإعراض؛ حافل بالقتل والاعتداء! حافل بتحكيم الشهوات والأهواء.
ولعله من أجل ذلك قص الله تاريخ بني إسرائيل على الأمة المسلمة في تفصيل وتطويل.. لعلها تتقي أن تكون كبني إسرائيل؛ ولعلها تحذر مزالق الطريق، أو لعل الواعين منها الموصولين بالله يدركون هذه المزالق؛ أو يتأسون بأنبياء بني إسرائيل حين يصادفون ما صادفوا وأجيال من ذراري المسلمين تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل، حين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم؛ فتحكم الهوى؛ وترفض الهدى، وتكذب فريقًا من الدعاة إلى الحق، وتقتل فريقًا؛ كما صنع بغاة بني إسرائيل، في تاريخهم الطويل!
لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها؛ وهم يحسبون أن الله لن يفتنهم بالبلاء، ولن يأخذهم بالعقاب. حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة الله؛ وغرورًا منهم بأنهم «شعب الله المختار»!
{وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا}.
طمس الله على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئًا؛ وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئًا..
{ثم تاب الله عليهم}.
وأدركهم برحمته.. فلم يرعووا ولم ينتفعوا:
{ثم عموا وصموا كثير منهم}.
{والله بصير بما يعملون}.
وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم.. وما هم بمفلتين..
ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود، وهذا الواقع الجديد؛ لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم، كما نفر قلب عبادة بن الصامت؛ فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبدالله بن أبي بن سلول!
ذلك شأن اليهود من أهل الكتاب.. فأما شأن النصارى فيبينه السياق القرآني في حسم وتوكيد يتمشيان مع طبيعة السورة؛ وطبيعة الموقف الذي تعالجه..
ولقد سبق في سياق السورة وصف الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم بالكفر. فالآن يكرر هذا الوصف، سواء لمن قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.
مع ذكر شهادة عيسى عليه السلام عليهم بالكفر، وتحذيره لهم من وصف أحد بالألوهية إلا الله سبحانه واعترافه بأن الله هو ربه وربهم على السواء. ثم تحذير الله لهم في النهاية من المضي فيما هم عليه من الكفر بسبب هذه المقولات التي لا يقول بها المؤمنون بالله وبدينه الصحيح:
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد. وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون. قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا والله هو السميع العليم قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل}.
ولقد سبق أن بينا- باختصار- كيف ومتى تسربت هذه المقولات المنحرفة من المجامع إلى العقيدة النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام رسولًا من عند الله؛ كإخوانه الرسل؛ الذين جاءوا بكلمة التوحيد خالصة؛ لا يشوبها ظل من الشرك؛ لأن الرسالات كلها، جاءت لتقرير كلمة التوحيد في الأرض وإبطال كلمة الشرك.
فالآن نذكر- باختصار كذلك- ما إنتهت إليه تلك المجامع من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك، على النحو الذي أسلفناه..
جاء في كتاب «سوسنة سليمان» لنوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني: أن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس، وهي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوي هي الإيمان بإله واحد: آب واحد، ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الآب قبل الدهور من نور الله. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، والذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خطايانا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه.
والإيمان بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الابن يسجد له، ويمجده، الناطق بالأنبياء.
وقال الدكتور «بوست» في تاريخ الكتاب المقدس: طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس. فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن. وإلى الابن الفداء. وإلى الروح القدس التطهير.
ونظرًا لصعوبة تصور الأقانيم الثلاثة في واحد، وصعوبة الجمع بين التوحيد والتثليث، فإن الكتاب النصارى عن اللاهوت حاولوا تأجيل النظر العقلي في هذه القضية، التي يرفضها العقل ابتداء. ومن ذلك ما كتبه القس «بوطر» في رسالة «الأصول والفروع» حيث يقول: «قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا. ونرجو ان نفهمه فهمًا أكثر جلاء في المستقبل حين يكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض. وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية».
والله سبحانه يقول: إن هذه المقولات كلها كفر. وهي تتضمن- كما رأينا- القول بألوهية المسيح عليه السلام؛ والقول بأن الله ثالث ثلاثة.. وليس بعد قول الله سبحانه قول. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}.